محمد الغزالي

217

فقه السيرة ( الغزالي )

[ مرحلة الإعداد للجهاد ] دخل الإسلام المدينة وأحزاب الكفر تطارده من كل ناحية ، فأوى المسلمون إلى مهجرهم كما يأوي الجنديّ إلى قلعته الشامخة ، وأخذوا يستعدّون حتى لا تقتحم عليهم من أقطارها ، وهم تعلّموا من السنين الغبر التي مرت عليهم في مكة أنّ الضعف مدرجة إلى الهوان ، مزلقة إلى الفتنة ، والمرء لا يقدّر العافية حق قدرها إلا بعد الإبلال من المرض ، ولا يعرف قيمة الغنى إلا عند التخلص من ذلّ الحاجة . ومن أولى من المهاجرين والأنصار بالإفادة من عبر الماضي ؟ . ذلك نبيّهم تعقّبه القتلة ألف ميل ليغتالوه ، وذلك سواد المهاجرين نهب مالهم ، وسلبت دورهم ، وشرّدوا من البلد الحرام . إنّ « حالة الحرب » قائمة يقينا بين طغاة مكة وبين المسلمين في وطنهم الجديد ، ومن السفه تحميل المسلمين أوزار هذا الخصام . على أنّ العداوة للنبي صلى اللّه عليه وسلم وصحبه تجاوزت قريشا إلى غيرهم من مشركي الجزيرة الضالة ، ولن تذهب الفروض بنا بعيدا ، فإنّ عبدة الأصنام من أهل المدينة نفسها شرعوا يجاهرون بخصومتهم للإسلام ، وانضمّ إلى هؤلاء وأولئك اليهود الذين أوجسوا خيفة من انتشار هذا الدين واندحار الوثنية العربية أمامه . فما بدّ - إذا - من التأهّب لكلّ طارئ ، والتربّص بكلّ هاجم ، وتجهيز القوة التي تؤدّب المجرمين يوم يتطاولون . والقتال الذي شرعه الإسلام وخاض معاركه الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته هو أشرف أنواع الجهاد ، وقد بيّنا في كتبنا الأخرى « 1 » بالاستدلال العلمي والاستقراء التاريخي ؛ أنّ الحروب التي اشتبك فيها الإسلام - على عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه - كانت فريضة لحماية الحق ، وردّ المظالم ، وقمع العدوان ، وكسر الجبابرة .

--> ( 1 ) انظر : الإسلام والاستبداد السياسي ؛ التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام .